الشيخ السبحاني

185

بحوث في الملل والنحل

فقد قال تعالى : « كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » « 1 » قلنا : معنى الآية غير ما قدّرت ولو قدّرتها كما نقدّر لعلمت أن لا حجّة فيها لك ، لأنّه تعالى يقول : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - إلى قوله - قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » « 2 » ، فإنّما هذا في الكفّار حيث تطيّروا بنبيّ اللَّه عليه السلام وكانوا إذا أتاهم الخصب يقولون هذا من عند اللَّه وإذا أتاهم الجدب يقولون : هذا من عندك ، كما قال تعالى : « وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ - إلى قوله - لا يَعْلَمُونَ » « 3 » ، فبيّن اللَّه تعالى أنّ ذلك كلّه - يعني الخصب والجدب - من عنده ، إلّا أنّه لم يقل : وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندنا على ما تذكره المجبّرة ، وقد دلّ اللَّه على بطلان قولهم : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » « 4 » . وزعمت المجبّرة القدريّة أنّ اللَّه خلق أكثر العباد للنّار ، وخلقهم أشقياء بلا ذنب ولا جرم ، وغضب عليهم وهو حليم من غير أن يغضبوه ، وخذلهم من قبل أن يعصوه ، وأضلّهم عن الطريق الواضح من غير أن خالفوه ، وقالت العدليّة : خلق اللَّه الخلق لطاعته ، ولم يخلقهم لمخالفته ، وأوضح الدلالة والرسل لصلاح الجماعة ، ولم يضلّ عن دينه وسبيله . وكذا أخبر بقوله تعالى : « وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » « 5 » ،

--> ( 1 ) . النساء : 78 . ( 2 ) . النساء : 78 . ( 3 ) . الأعراف : 131 . ( 4 ) . النساء : 79 . ( 5 ) . الذاريات : 56 .